الآلوسي

3

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

الجزء الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ خطبة المفسر حمدا لمن جعل روح معاني الأكوان تفسيرا لآيات قدرته . وصير نقوش أشباح الأعيان بيانا لبينات وحدته . وأظهر من غيب هويته قرآنا غدا فرقانه كشافا عن فرق الكتب الإلهية الغياهب . وأبرز من سجف ألوهيته نورا أشرق على مرايا الكائنات . بحسب مزايا الاستعدادات . فاتضحت من معالم العوالم المراتب . وصلاة وسلاما على أول درة أضاءت من الكنز المخفي في ظلمة عماء القدم . فأبصرتها عين الوجود . وعلة إيجاد كل درة برأتها يد الحكيم إذ تردت في هوة العدم . فعادت ترفل بأردية كرم وجود مهبط الوحي الشفاهي الذي ارتفع رأس الروح الأمين بالهبوط إلى موطئ أقدامه ومعدن السر الإلهي . الذي انقطع فكر الملأ الأعلى دون ذكر الوصول إلى أدنى مقامه . فهو النبي الذي أبرزه مولاه من ظهور الكمون إلى حواشي متون الظهور . ليكون شرحا لكتاب صفاته وتقريرا ورفعه بتخصيصه من بين العموم بمظهرية سره المستور . وأنزل عليه قرآنا عربيا غير ذي عوج ليكون للعالمين نذيرا . وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وعلى آله وأصحابه مطالع أنوار التنزيل ومغارب أسرار التأويل . الذين دخلوا عكاظ الحقائق بالوساطة المحمدية . فما برحوا حتى ربحوا فباعوا نفوسا وشروا نفيسا وقطعوا أسباب العلائق بالهمم الحقيقية . فما عرجوا حتى عرجوا فلقوا عزيزا وألقوا خسيسا . فهم النجوم المشرقة بنور الهدى والرجوم المحرقة لشياطين الردى رضي اللّه عنهم وأرضاهم . ووالى متبعيهم وأولاهم ، ما سرحت روح المعاني في رياض القرآن ، وسبحت أشباح المباني في حياض العرفان . « أما بعد » فيقول عيبة العيوب وذنوب الذنوب . أفقر العباد إليه عز شأنه مدرس دار السلطنة العلية ، ومفتي بغداد المحمية أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي عفي عنه . إن العلوم وإن تباينت أصولها ، وغربت وشرقت فصولها ، واختلفت أحوالها . وأتهمت وأنجدت أقوالها . وتنوعت أبوابها . وأشأمت وأعرقت أصحابها وتغايرت مسائلها . وأيمنت وأيسرت وسائلها ، فهي بأسرها مهمة ومعرفتها على العلات نعمة . إلا أن أعلاها قدرا ، وأغلاها مهرا وأسناها مبنى ، وأسماها معنى وأدقها فكرا وأرقها سرا ، وأعرقها نسبا وأعرفها أبا وأقومها قيلا وأقواها قبيلا وأحلاها لسانا وأجلاها بيانا وأوضحها سبيلا وأصحها دليلا وأفصحها نطقا . وأمنحها رفقا العلوم الدينية . والفهوم اللدنية . فهي شمس ضحاها وبدر دجاها وخال وجنتها ولعس شفتها ودعج عيونها وغنج جفونها وحبب رضابها ، وتنهد كعابها ، ورقة كلامها ، ولين قوامها .